أبي هلال العسكري

43

الوجوه والنظائر

ومن ذلك قيل : العلو لميله عمن يعاديه ، وسمي الظلم اعتداء ؛ لأنه ميل عن الحق ، كما سمي جورا ؛ لأنه ميل . وهو في القرآن على وجهين : أولهما : التجاوز ، قال الله تعالى : ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ) . أي : لا تجاوزوها إلى غيرها ، : ( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ ) ، أي : يتجاوزها ، ومثله : ( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) . الثاني : الظلم ، قال اللَّه تعالى : ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ) . أي : فمن ظلمكم فجازر . بظلمه ، سمي الجزاء على الظلم ظلما . قال الشاعر : ألَا لَا يجهَلَن أحَدْعَلينَا . . . فنجهَلُ فَوقَ جَهلِ الجاهِلِينَا لم يفتخر هنا الشاعر بالجهل وإنما أراد الجزاء على الجهل . والجهل هاهنا : ركون الرأس في السر ، وليس هو ضد العلم . وأول الآية : ( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ) . والمعنى : أن المشركين سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القتال في الشهر الحرام ، فأنزل اللَّه : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) . فأرادوا أن يغزوه في الشهر الحرام طمعا أن تكف عنهم فسألوا منه ، فأنزل الله : ( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ ) : إن استحلوا منك في الشهر الحرام شيئا فاستحل منهم مثله فيه ، وأكد ذلك بقوله : ( وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ) . أي : لا يجوز ذلك بالمسلمين إلا قصاصا . ثم قال : ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ) . والمعنى : إنهم إن اعتدوا فقاتلوكم في الشهر الحرام فلا تقصروا عن قتالهم فيه ، فيكون الاعتداء من المشركين الظلم ، ومن المسلمين الانتقام .